فصل: تفسير الآية رقم (2):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (92- 93):

{فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93)}
قوله تعالى: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي لنسألن هؤلاء الذين جرى ذكرهم عما عملوا في الدنيا. وفى البخاري: وقال عدة من أهل العلم في قوله: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} عن لا إله إلا الله.
قلت: وهذا قد روى مرفوعا، روى الترمذي الحكيم قال: حدثنا الجارود بن معاذ قال حدثنا الفضل بن موسى عن شريك عن ليث عن بشير بن نهيك عن أنس بن مالك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} قال: «عن قول لا إله إلا الله» قال أبو عبد الله: معناه عندنا عن صدق لا إله إلا الله ووفائها، وذلك أن الله تعالى ذكر في تنزيله العمل فقال: {عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} ولم يقل عما كانوا يقولون، وإن كان قد يجوز أن يكون القول أيضا عمل اللسان، فإنما المعنى به ما يعرفه أهل اللغة أن القول قول والعمل عمل. وإنما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «عن لا إله إلا الله» أي عن الوفاء بها والصدق لمقالها. كما قال الحسن البصري: ليس الايمان بالتحلي ولا الدين بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. ولهذا ما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة» قيل: يا رسول الله، وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». رواه زيد بن أرقم. وعنه أيضا قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إن الله عهد إلى ألا يأتيني أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط بها شيئا إلا وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله وما الذي يخلط بلا إله إلا الله؟ قال: حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها، يقولون قول الأنبياء ويعملون أعمال الجبابرة».
وروى أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله كذبتم». أسانيدها في نوادر الأصول. قلت: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في كتاب التذكرة. فإن قيل: وهل يسأل الكافر ويحاسب؟ قلنا: فيه خلاف وذكرناه في التذكرة. والذي يظهر سؤال، للآية وقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ} وقوله: {إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ}. فإن قيل: فقد قال تعالى:
{وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ}، وقال: {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ}، وقال: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}. قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، موطن لا يكون ذلك فيه. قال عكرمة: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.
وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لان الله عالم بكل شي، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟ واعتمد قطرب هذا القول.
وقيل: {لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يعني المؤمنين المكلفين، بيانه قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. والقول بالعموم أولى كما ذكر. والله أعلم.

.تفسير الآيات (94- 95):

{فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)}
قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ} أي بالذي تؤمر به، أي بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم، فقد أمرك الله بذلك. والصدع: الشق. وتصدع القوم أي تفرقوا، ومنه {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أي يتفرقون. وصدعته فانصدع أي انشق. أصل الصدع الفرق والشق. قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه:
وكأنهن ربابة وكأنه ** يسر يفيض على القداح ويصدع

أي يفرق ويشق. فقوله: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ} قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، أي أظهر دينك، ف {ما} مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر.
وقال ابن الاعرابي: معنى اصدع بما تؤمر، أي اقصد.
وقيل: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ} أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض، فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار.
قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون.
وقال ابن عباس: هو منسوخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.
وقال عبد الله بن عبيد: ما زال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستخفيا حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ} فخرج هو وأصحابه.
وقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة. {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} لا تبال بهم.
وقال ابن إسحاق: لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاستهزاء أنزل الله تعالى: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله، فإن الله كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة. والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، أهلكهم الله جميعا، قيل يوم بدر في يوم واحد، لاستهزائهم برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق: أن جبريل أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمر به الأسود ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار. ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا. يقال: حبن بالكسر حبنا وحبن للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر، فهو أحبن، والمرأة حبناء، قاله في الصحاح. ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سبله، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبرمة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقد ذكر في سبب موتهم اختلاف قريب من هذا.
وقيل: إنهم المراد بقوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} شبه ما أصابهم في موتهم بالسقف الواقع عليهم، على ما يأتي.

.تفسير الآية رقم (96):

{الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)}
هذه صفة المستهزئين.
وقيل: هو ابتداء وخبره {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.

.تفسير الآية رقم (97):

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} أي قلبك، لان الصدر محل القلب. {بِما يَقُولُونَ} أي بما تسمعه من تكذيبك ورد قولك، وتناله. ويناله أصحابك من أعدائك.

.تفسير الآيات (98- 99):

{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَسَبِّحْ} أي فافزع إلى الصلاة، فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس. وذلك تفسير لقوله: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} لا خفاء أن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال عليه السلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء». ولذلك خص السجود بالذكر الثانية: قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الامام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله، يسجد في هذا الموضع وسجدت معه فيها، ولم يره جماهير العلماء. قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن هاهنا سجدة عند أبى حذيفة ويمان بن رئاب، وراي أنها واجبة قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} فيه مسألة واحدة: وهو أن اليقين الموت. أمره بعبادته إذ قصر عباده في خدمته، وأن ذلك يجب عليه. فإن قيل: فما فائدة قول: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} وكان قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ} كافيا في الامر بالعبادة. قيل له: الفائدة في هذا أنه لو قال: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ} مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا، وإذا قال: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت. فإن قيل: كيف قال سبحانه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ولم يقل أبدا، فالجواب أن اليقين أبلغ من قوله: أبدا، لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد. وقد تقدم هذا المعنى. والمراد استمرار العبادة مدة حياته، كما قال العبد الصالح: {وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا}. ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق أبدا، وقال: نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة. ولو قال: طلقتها حياتها لم يراجعها. والدليل على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية، وكانت من المبايعات، وفيه: فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أما عثمان- أعنى عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل به» وذكر الحديث. انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله! وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له، يعني كأنهم فيه شاكون. وقد قيل: إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك، قال ابن شجرة، والأول أصح، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن. والله اعلم. وقد روى جبير بن نفير عن أبى مسلم الخولاني أنه سمعه يقول إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «ما أوحى إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحى إلى أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ».

.سورة النحل:

تفسير سورة النحل وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل: هي مكية غير قوله تعالى: {وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد. وغير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}. وغير قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا} الآية. وأما قوله: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا} فمكي، في شأن هجرة الحبشة. وقال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة، وهي قوله: {وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا} إلى قوله: {بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}

.تفسير الآية رقم (1):

{أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)}
قوله تعالى: {أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} قيل: {أَتى} بمعنى يأتي، فهو كقولك: إن أكرمتني أكرمتك. وقد تقدم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء، لأنه آت لا محالة، كقوله: {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ}. و{أَمْرُ اللَّهِ} عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله. قال الحسن وابن جريج والضحاك: إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه. وفية بعد، لأنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم، وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش وغيرهم، حتى قال النضر بن الحارث: {اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية، فاستعجل العذاب. قلت قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه: وافقت ربى في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفى الحجاب، وفى أسارى بدر، خرجه مسلم والبخاري. وقد تقدم في سورة البقرة.
وقال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو كقوله: {حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ}.
وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها. قال ابن عباس: لما نزلت {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا وانتظروا فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى شيئا فنزلت {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ} الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فامتدت الأيام فقالوا: ما نرى شيئا فنزلت {أَتى أَمْرُ اللَّهِ} فوثب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون وخافوا، فنزلت: {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} فاطمأنوا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بإصبعيه: السبابة والتي تليها. يقول: إن كادت لتسبقني فسبقتها.
وقال ابن عباس: كان بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أشراط الساعة، وأن جبريل لما مر بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: الله أكبر، قد قامت الساعة. قوله تعالى: {سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزيها له عما يصفونه به من أنه لا يقدر على قيام الساعة، وذلك أنهم يقولون: لا يقدر أحد على بعث الأموات، فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق، وذلك شرك.
وقيل: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي عن إشراكهم.
وقيل: {ما} بمعنى الذي أي ارتفع عن الذين أشركوا به.

.تفسير الآية رقم (2):

{يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (2)}
قرأ المفضل عن عاصم {تنزل الملائكة} والأصل تتنزل، فالفعل مسند إلى الملائكة. وقرأ الكسائي عن أبى بكر عن عاصم باختلاف عنه، والأعمش {تنزل الملائكة} غير مسمى الفاعل. وقرأ الجعفي عن أبى بكر عن عاصم {تنزل الملائكة} بالنون مسمى الفاعل، الباقون {يُنَزِّلُ} بالياء مسمى الفاعل، والضمير فيه لاسم الله عز وجل.
وروى عن قتادة {تنزل الملائكة} بالنون والتخفيف. وقرأ الأعمش {تنزل} بفتح التاء وكسر الزاي، من النزول. {الملائكة} رفعا مثل {تنزل الملائكة}. {بِالرُّوحِ} أي بالوحي وهو النبوة، قاله ابن عباس. نظيره {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ}. الربيع بن أنس: بكلام الله وهو القرآن.
وقيل: هو بيان الحق الذي يجب اتباعه.
وقيل: أرواح الخلق، قاله مجاهد، لا ينزل ملك إلا ومعه روح. وكذا روى عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور ابن آدم، لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم. وقيل بالرحمة، قاله الحسن وقتادة.
وقيل: بالهداية، لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان، وهو معنى قول الزجاج. قال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياة بالإرشاد إلى أمره.
وقال أبو عبيدة: الروح هنا جبريل. والباء في قوله: {بِالرُّوحِ} بمعنى مع، كقولك: خرج بثيابه، أي مع ثيابه. {مِنْ أَمْرِهِ} أي بأمره. {عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ} أي على الذين اختارهم الله للنبوة. وهذا رد لقولهم: {لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}. {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} تحذير من عبادة الأوثان، ولذلك جاء الإنذار، لان أصله التحذير مما يخاف منه. ودل على ذلك قوله: {فَاتَّقُونِ}. و{أَنْ} في موضع نصب بنزع الخافض، أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله، ف {أن} في محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه.